د. محمد نجيب بوطـالب
أستاذ علم الاجتماع بجامعة تونس ومدير المعهد العالي للعلوم الإنسانية بتونس
نشرت في جريدة الحرية التونسية: http://www.alhorria.info.tn/?ID=&page=article&article=7784
ليس من الصعب على متابعي تجارب التنمية التي اتبعتها الدول النامية منذ منتصف القرن الماضي إلى اليوم ملاحظة التحولات العميقة التي عرفها المجتمع التونسي المعاصر. وليس خفيا على المتابعين الموضوعيين ملامسة المؤشرات الإيجابية في مستوى عيش المواطن التونسي وخاصة خلال العقدين الماضيين أي منذ التغيير.
هذا التغيير الذي عبر عن نفسه بمشروع إصلاحي متجذر وبجملة السياسيات المتكاملة والمتناسقة في محيط يتميز باشتداد الأزمات وتعاقب التحديات، هومشروع الرئيس بن علي المنبثق من رحم معاناة الشعب ومن خضم طموحاته وآماله التي راكمتها الأجيال منذ الإصلاح ومنذ الحركة الوطنية وبناء الدولة الوطنية.
وقد آمن صانع التغيير بأن مبادئ التعاون والتضامن والتماسك هي الفلسفة التي ستمكن هذا الشعب من تحقيق نموه وبلوغ رخائه في محيط آمن وبيئة سليمة. لقد قاوم المشروع كل مظاهر الصراع والتوتر بمعالجة أسباب التفاوت واللامساواة سياسيا واجتماعيا واقتصاديا وثقافيا،كما آمن بضرورة استعادة تونس لمكانتها وموقعها الحضاري والثقافي في محيطها العربي الاسلامي.
إن المقاربة التونسية في مجال التضامن هي مقاربة متجددة يذكيها حس إنساني عميق زرع في نفوس كل التونسيين والتونسيات، فجاءت ثمرة تحسين ظروف عيش المواطن في جميع الجهات وتطوير آليات التشغيل وبعث مواطن الرزق. وقد أدى إرساء الثقافة التضامنية ونشرها في جميع الأوساط إلى خلق نسيج تضامني متكامل تجسده حركية المجتمع المدني في المجال التنموي عامة وفي المجال الاجتماعي خاصة.
أبعاد التنمية ومنطلقاتها في تونس التحول
اعتنت التنمية في تونس بجميع الأبعاد واعتمدت منذ التحول مسارا تدريجيا تصاعديا متكاملا في شمولية واقعية وانسجام متماسك من أجل تحقيق أهداف وطنية هي بمثابة التعبير عن طموحات الشعب نحوتحقيق التقدم والمناعة والرقي.
فالإنسان في المشروع التنموي للتغيير هوغاية التنمية ووسيلتها المثلى، الإنسان، وبالتالي المواطن، هوالهدف،
وفق منهج التنمية المتضامنة الهادفة إلى تحقيق المشاركة الواسعة لجميع الفئات والأجيال والجهات والقطاعات بطريقة تحقق التوازن والعدالة بين مختلف مكونات المجتمع هذا ما أكد سيادة الرئيس زين العابدين بن علي بقوله “إن اهتمامنا بالبعد الاجتماعي للتنمية يؤكد قناعتنا الراسخة بأن الإنسان هومحور كل عمل سياسي وازدهار اقتصادي. وإن الديمقراطية والتعددية وحقوق الإنسان لا قيمة لها إذا بقيت فئات من المواطنين مهمشة أومحرومة من المرافق الضرورية…” تلك هي النظرة الشاملة لحقوق الإنسان ما دام يعتبر أن : “البعد الإنساني والاجتماعي للتنمية توجه أساسي في مشروع التغيير…”
وقد اعتمد المشروع التغييري منذ أواخر الثمانينات وحتى اليوم مجموعة من الآليات والإنجازات والإصلاحات حتى يحقق تلك الأهداف فأعاد الاعتبار لدولة المؤسسات والقانون وأجرى إصلاحات تشريعية ودستورية من أجل بناء جمهورية الغد وجذر مبادئ الديمقراطية القائمة على الإستشارة وحماية حقوق الإنسان في بعدها الشامل ودعم مكونات المجتمع المدني.
لقد أصبح معترفا للبعد الاجتماعي بأهميته دون إنكار للأبعاد الأخرى.فالاجتماعي باعتباره يقارب أوضاع البشر وحياتهم اليومية ويسعى إلى تطويرها يصبح البعد البارز في سياسات التنمية البشرية . لذلك لم تفصل هذه المقارنة بين الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والسياسي. فعن طريق الاجتماعي وبشمولية أبعاد التنمية البشرية يتم الرفع من مستوى الحياة الاجتماعية صحة وتعليما وسكنا ترفيها وتثقيفا ومستوى عيش وخدمات. لذلك استحالت ضمن هذه المقاربة التي اعتمدتها تونس منذ التغيير عملية الفصل بين التنمية الاجتماعية والتنمية الاقتصادية لأن كلا منهما شرط لتحقيق الآخر .
ولذلك لم يكتف المشروع التغييري للرئيس بن علي بمظاهر النموفقط بل أعطى الأولوية لعمليات التضامن الوطني والسلم الاجتماعي وتحقيق التوازن بين القطاعات بهدف تحقيق رفاه المواطن وسعادته واندماجه في مجتمعه وفي عصره بكل توازن ووعي وانسجام.
لقد كان للوعي بأن العملية التنموية تتطلب اكتساب أساليب وانبثاق عادات جديدة في السلوك وتمثل أشكال جديدة للتنظيم دور بارز في أعطاء مفهوم التنمية خلال المخططات المعتمدة منذ بداية التسعينات دلالة واقعية وموضوعية وإنسانية جسدت الطموحات الوطنية التي صاغها بيان السابع من نوفمبر وتوجها البرنامج المستقبلي للرئيس بن علي 2004-2009 فذلك هوالمناخ الملائم لتطوير هيكلة الاقتصاد الوطني واكسابه مزيد المتانة والتنوع والرقي بأداء الأعوان الاقتصاديين والفاعليين الاجتماعيين لمواكبة متطلبات التفتح المتزايد على السوق العالمية.
لقد راهن مشروع التغيير على العنصر البشري باعتباره الهدف الأسمى لبناء مجتمع متوازن وتنمية مستديمة.ومن أجل تحقيق تلك الأهداف تشكلت إستراتيجية وطنية للتنمية البشرية ارتكز بعدها الاجتماعي على تثمين الموارد البشرية وتطويرها بهدف تدعيم القدرات الفردية والجماعية وضمان أوفر الحظوظ للاندماج في سوق الشغل ومن خلال مقاومة مظاهر الإقصاء الاجتماعي وتحقيق الإدماج والعناية بقطاعات التربية والتكوين والتشغيل في آن واحد.
مكونات إستراتيجية التنمية البشرية
لقد حصل وعي خلال العقود الأخيرة لدى الكثيرين من العلماء والدارسين والمخططين أن التنمية الاقتصادية لا يمكنها أن تحقق أهدافها في معزل عن التنمية البشرية التي تهدف إلى تحسين أوضاع المعيشة للسكان في مختلف مراحل حياتهم وفي جميع مواقعهم وفي قطاعات نشاطهم.
ومن هنا جاء الاتفاق على ضرورة إدماج تطوير القدرات البشرية في منظومة التنمية كواحد من أنجع المناهج والآليات لبلوغ الأهداف المرسومة.
لكن الملاحظ أن استراتيجيات التنمية في أغلب الدول النامية رغم ما برز بها من تطور في معدلات النمولم تستطع بعد تحقيق الطموحات نحوتقليص نسب الفقر والبطالة في مفارقة صارخة مع وفرة الموارد الطبيعية والبشرية التي بقيت خامات. وهذا ما تؤكده الفوارق المستمرة في مستويات الدخل ومعدلات الاستهلاك وطبيعة الخدمات في هذه البلدان.
إن طموحات البلدان النامية في تحقيق التنمية المتوازنة يجب أن تكون متناغمة مع عصرها وتحدياتها، مسايرة للتحولات التي تحيط بها من خلال السعي إلى اكتساب المعارف وتنمية القدرات على الابتكار والتعويل على الذات وتحسين نوعية الحياة.
مؤشرات تحسين ظروف العيش
أ- البنية الأساسية
تشير البيانات المستقاة من تقديرات المخطط العاشر للتنمية 2002/2005 (الذي يستمر إلى سنة 2006 ) إلى تحسين الدخل الفردي بمعدل 5.8 سنويا، حيث بلغ 3805 دنانير سنة 2006 مقابل2981 دينارا في سنة 2001 وأن أكثر من تسع أسر من عشرة مزودة بالماء الصالح للشراب وبالنور الكهربائي ( المعدل الوطني) أما في سنة 2006 فقد بلغت نسبة التزود بالماء الصالح للشراب في الوسط الريفي 90.6% كما بلغت نسبة التنوير الريفي 98.5%، مقابل أسرة واحدة من خمس سنة 1984. كما تراجعت نسبة الفقر إلى 4.2% سنة 2004 بعد أن كان ثلث التونسيين يعيشون تحت عتبة الفقر في الستينات حيث بلغت في سنة 1966 نحو22% وفي سنة 1994 بلغت7.7%. وتفيد التقديرات بوجود تحسن ملحوظ في نسبة الأسر المالكة لمساكنها إلى 80 وتراجع المساكن البدائية من 44% سنة 1966 إلى 0.8% سنة .2004
في هذا الإطار تطور عدد المساكن من 1.021.800 مسكنا في عام 1975 إلى 2.500.800 مسكنا عام 2004. بما يؤكد تحسن ظروف السكن وارتفاع عدد المساكن العصرية وتقلص عدد المساكن المتواضعة.
ب- سياسة الإدماج الاجتماعي :
يمثل الإدماج الاجتماعي بأبعاده المختلفة من حماية ووقاية ورعاية وتأهيل ومساعدة إحدى الركائز الأساسية لسياسة النهوض الاجتماعي وتقوم هذه السياسة على برامج موجهة إلى مختلف الشرائح الاجتماعية ذات الاحتياجات الخصوصية. وكما هومعروف فالإدماج الاجتماعي يعني كل التدخلات الاجتماعية الساعية إلى إيجاد حلول بديلة ودائمة لوضعيات التهميش والإقصاء. وتركز هذه البرامج على معالجة الإشكاليات التالية :
Ø الإهمال والتشرد وفقدان السند *الفقر وعدم توفر مورد رزق
Ø الفشل والانقطاع عن التعليم والتكوين *الأمية
Ø الانحراف والجنوح *الإعاقة
ولذلك تتوجه برامج الإدماج الاجتماعي في تونس بالأساس إلى الفئات الخصوصية التالية :
Ø فئة الأشخاص المعوقين * فئة العائلات المعوزة
Ø فئة المسنين فاقدي السند العائلي * فئة الأميين
وتتلخص عمليات التدخل التي تقوم بها الدولة في :
1- الإدماج العائلي والتربوي والاجتماعي للأطفال
2- الإدماج التربوي والاجتماعي والاقتصادي للمعوقين
3- الإدماج العائلي للمسنين فاقدي السند العائلي
4- الإدماج الاجتماعي والاقتصادي للعائلات المعوزة
5- إعادة إدماج العمال المسرحين لأسباب اقتصادية أوفنية
6- البرنامج الوطني لتعليم الكبار.
وتعتمد برامج الادماج الاجتماعي على عناصر الدعم والوقاية والحماية والتحسيس والمساعدة وخاصة ما يتعلق بفئات الطفولة والمسنين والأميين والمرأة.
ج-إدماج المرأة وتمكينها :
قد لا يسمح المجال بالتفصيل في استعراض أهم المؤشرات الدالة على تطور أوضاع المرأة التونسية وخصوصا في مجالات المشاركة السياسية والاندماج الاجتماعي والاقتصادي. فبالإضافة إلى المكاسب التشريعية المعروفة التي ظهرت خلال العشريتين الأخيرتين وخاصة مع التعديلات المجراة على مجلة الأحوال الشخصية وظهور مجلة حماية الطفل، برزت آليات مِؤسساتية لإدماج المرأة سمحت بمزيد تمثيليتها وتشريكها في اتخاذ القرار فضلا عن إقامة المراصد ومراكز البحث الخاصة بالمرأة.
كما مكن ذلك من تحقيق تطور مطرد في ارتفاع نسبة النساء النشيطات من 23.6% سنة 1994 إلى 26.6% سنة 2004 و27.1% سنة 2006 فقد بلغت نسبة مشاركة المرأة في الوظيفة العمومية سنة 2006 ما يزيد عن 23.6% مقابل 15.5% سنة 2001
كما تطورت المؤشرات المتعلقة بالموارد البشرية النسائية وخاصة في مجالات التربية التي كرست مبدأ تساوي الحظوظ في الدراسة بين الشبان والفتيات وفي مجال قطاع التكوين المهني الذي مثلت فيه نسبة الفتيات سنة 2005 نحو40% من مجموع المتكونين في مؤسسات الحكومية وحدها مقابل 27% فقط سنة 1996.
كما شملت عمليات النهوض بالمرأة النهوض بصحتها حيث تم الانتقال من مفهوم “التنظيم العائلي ومكافحة وفيات النساء” خلال فترة الستينات إلى مفهوم “صحة الأم والطفل” خلال فترة السبعينات إلى مفهوم “الصحة والعائلة” في بداية التسعينات لتتدرج منذ مؤتمر القاهرة حول السكان (1994) ضمن مقاربة خاصة “بالصحة الإنجابية”وقد تطور الاهتمام بالمرأة إلى دعم النساء ذوات الاحتياجات الخصوصية كحماية المراهقات والأمهات العازبات والعناية بالمرأة المهاجرة والمرأة الريفية.
د-الـتعليم
لقد تميزت المخططات الثلاث الماضية بجهد ملحوظ في مجال الارتقاء بالمنظومة التربوية والتكوين المهني والتعليم العالي بهدف الاستجابة لمتطلبات التنمية وفي هذا الاطار تندرج مجموعة من الإصلاحات مثل سن القانون التوجيهي الجديد لنظام التربية والتعليم وإرساء نظام “إمد” تماشيا مع المواصفات الدولية وتعزيزا لطاقة التكوين في المجالات الواعدة وذات التشغيلية العالية.
من أهم مؤشرات التنمية البشرية في تونس في مجال التعليم.
- ارتفاع نسبة التمدرس لدى الأطفال البالغين من العمر 6 سنوات من 85 % سنة 1975 إلى 99% سنة 2006 .
- تطور عدد الطلبة الذي بلغ 334 ألفا سنة 2004 مقابل 11 ألفا سنة 1970 .وأصبح في سنة 2007 يقدر ب 367 ألف طالب .
- تطور نسبة الفتيات في التعليم الثانوي والعالي الذي ارتفع على التوالي من 25.5 % و19.4 %خلال سنة 1965 -1966 إلى 53%و57 % بين سنتي 2003 و2005 .وقد بلغت نسبة الفتيات في الجامعة 59% سنة 2007.
لقد دفعت هذه الإجراءات .وغيرها مما سبقها وما لحقها إلى الحد من ظاهرة الانقطاع المبكر عن التعليم وإعطاء الشبان أكثر ما يمكن من حظوظ الترقي لاكتساب الكفاءات اللازمة .وتعتبر الإصلاحات المتلاحقة في التعليم العالي وآخرها نظام “إمد” وتطوير البنية الأساسية وتوسيع شبكة المدارس والمعاهد والكليات وتنويع المسالك وربط مخرجات المؤسسات التربوية والعلمية بالمحيط الاقتصادي والاجتماعي وتطوير التشريعات ودعم الحوافز خير مجسد للمنطلقات الانسانية في مشروع التنمية الإنسانية المتضامنةوهذا ما جسدته توجهات المخطط الحادي عشر للتنمية.
هـ- برامج محوالأمية وتعليم الكبار
لقد أقر البرنامج الوطني لتعليم الكبار بغرض التسريع في نسق التقليص من ظاهرة الأمية. وقد خضع هذا البرنامج إلى عمليات هيكلة باعتماد حملات لاستقطاب الدارسين وتشريك حاملي الشهادات للتدريس وتطوير التمويلات وإرساء منظومة من الحوافز.
بالإضافة إلى ما تقوم به المؤسسات التربوية العمومية والخاصة من دور في نشر التعليم ومقاومة الأمية، فقد ركز للبرنامج الوطني لتعليم الكبار مجهوداته على التدخل في المناطق ذات الصعوبات الاجتماعية والاقتصادية.
وقد اقر هذا البرنامج بغرض الترفيع في نسق التقليص من ظاهرة الأمية التي بلغت 27% سنة 1999 بما أدى إلى تخفيض هذه النسبة في سنة 2004 إلى حدود 21%، وذلك بمحوأمية ربع مليون مواطن في ظرف 4 سنوات.
و- التشغيل :
مثل التشغيل إحدى أهم أولويات التنمية البشرية في تونس التغيير، وذلك باعتباره قيمة حضارية وإنسانية وآلية هامة لمساهمة المواطن في العمل الإنمائي ومقاومة شتى مظاهر الإقصاء والتهميش.
فسياسة التشغيل في تونس تقوم بالأساس على استحثاث النموالاقتصادي المحدث لمواطن الشغل، وما يقتضيه ذلك من عديد الإصلاحات التشريعية والاقتصادية، وعلى توفير الحوافز والتشجيعات لبعث المشاريع وتنمية العمل المستقبلي، وعلى تطوير منظومة التربية والتكوين والتعليم لضمان أوفر حظوظ قابلية التشغيل لخريجي هذه المنظومة كما تنطلق هذه الرؤية الشمولية الطموحة من جعل التشغيل نقطة التقاء لمختلف السياسات بما أدى إلى العمل على توسيع دائرة المتدخلين في هذا المجال.وتعزيزا لقدرة الاقتصاد على إحداث مواطن الشغل اعتمدت برامج إعادة هيكلة قطاع التشغيل بشكل يجعلها متلائمة مع ملامح الكفاءات من طالبي الشغل واحتياجات المؤسسات وخاصة في مجال دعم التشغيل الذاتي وتشجيع الاستثمارات المحدثة لمواطن الشغل.
وقد مكنت البرامج والسياسات المعتمدة في مختلف المجالات من الرفع من نسق إحداث مواطن الشغل من معدل 40 ألف موطن سنويا خلال الفترة (1986-1988) إلى معدل سنوي يقدر بما يزيد عن 70 ألف موطن خلال الفترة (2002-2004).
وبالإضافة إلى الآليات التقليدية في برامج التشغيل التي تشرف عليها الدولة وضعت آليات جديدة تعتمد على مبدأ التضامن الوطني والتبرع والمبادرة شملت المجتمع المدني والقطاع الخاص والأفراد وفي مقدمة هذه الانجازات صندوق التشغيل (21-21) والبنك التونسي للتضامن (26-26) ونظام القروض الصغرى، التي مكنت العديد من العاطلين عن العمل من الشغل ومن بعث مشاريع وأنشطة فردية وأسرية منتجة.
في هذا السياق عملت الدولة على مساعدة القطاع الخاص على النهوض بالتشغيل عبر المساهمة في تحمل مصاريف التغطية الاجتماعية والتكوين وتوفير الحوافز الجبائية والمالية للمؤسسات الاقتصادية التي تنتدب العملة وخاصة من ذوي الشهادات العليا لذلك تم تخصيص اعتمادات هامة لإعادة تكوين حاملي الشهادات وخاصة من ذوي الاختصاصات التي تعرف صعوبة في الاندماج في سوق الشغل من أجل فتح آفاق جديدة وخاصة في مجال المعلوماتية.
ومن أهم منهجيات التدخل في التشغيل البرامج المتعلقة بالتشجيعات والحوافز التي وجهتها الدولة للجمعيات التنموية للتدخل في المناطق ذات الكثافة السكانية في المدن وفي المناطق الريفية قصد استيعاب وتوجيه فئات الشباب والمرأة وذوي الاحتياجات الخصوصية ومساعدتها على توفير مواطن الشغل وفرص التكوين وبعث المشاريع الخاصة. هذه السياسات مكنت من التحكم النسبي في ظاهرة البطالة بما أدى إلى انخفاضها من معدل 15.8% عام 1999 إلى 13.9% عام 2004.
ز-المقاربة التونسية للتضامن الوطني
ويجسدها البرنامج الانتخابي لتونس الغد (2004-2009) للرئيس زين العابدين بن علي الذي يعتبر التضامن قيمة حضارية وأخلاقية. وهوفي ذات الوقت رباط اجتماعي يذكي الحس التضامني لدى التونسيين والتونسيات. فقد شملت المبادرات المتتالية مناطق الظل بإحداث صندوق التضامن الوطني 2626، وتعزيز نسق بعث المشاريع الصغرى ومواطن الرزق بإنشاء البنك التونسي للتضامن وإرساء نظام القروض الصغرى ، وتدعيم قدرة البلاد على التشغيل وتحسين مستوى تشغيلية طالبي الشغل من خلال صندوق 21-21.
وهي آليات تشكل اليوم مع بقية الهياكل القائمة نسيجا تضامنيا وطنيا متكامل العناصر متنوع التدخلات فضلا عن إرساء التقاليد الجدية في الثقافة التضامنية التي هي اليوم أحسن سند لجهود الدولة.
بهذه المبادئ والمبادرات تمكّنت تونس من تعزيز إشعاعها وتفعيل دورها العالمي في جعل التضامن قيمة أساسية في العلاقات الدولية من خلال مبادرة سيادة رئيس الجمهورية بالدعوة إلى إحداث الصندوق العالمي للتضامن الذي أصبح اليوم هيكلا أمميا قائما للإسهام في مقاومة الفقر والحد من التهميش والإقصاء في عدة مناطق من العالم.
إن التضامن البشري الذي ينطلق من مرجعية سوسيولوجية تونسية تتمركز حول مفهوم “الاجتماع الإنساني” الذي تحدث عنه ابن خلدون وابتدعه كمفهوم منذ القرن الرابع عشر قد يكون بابا للمساهمة في تشكيل ايتيقا إنسانية جديدة بعد أن وصلت الكونية الإنسانية الغربية في ما بعد الحداثة إلى ذروة أزمتها.
وبالمقارنة مع الوضعيات المشابهة والحالات المماثلة استطاعت تونس أن تتجاوز عدة أزمات وأن تحافظ على التوازنات وهوما تؤكده متابعة مؤشرات المخطط العاشر (2002 ـ 2006) الذي هيأ للدخول إلى المخطط الحادي عشر (2007 ـ 2011) حيث تم التركيز على تحسين المؤشرات البشرية وخاصة في مجالات التعليم والصحة والتشغيل والضمان الاجتماعي ومن مظاهر النجاح في هذا البعد الإنساني للتضامن تراجع نسبة الفقر في تونس إلى أقل من 4% ووصول معدل دخل الفرد إلى 4064 دينارا سنة 2006. وينتظر من المخطط الحادي عشر للتنمية أن تتدعم هذه الانجازات بمزيد إعطاء الأولوية للحلول المستديمة في معالجة وضعيات الفقر وإحكام عملية توزيع الدخل فضلا عن السعي إلى مزيد تشريك مختلف الطاقات البشرية في العمل التنموي.
ط- التغطية الاجتماعية والصحية
اعتمد مشروع التغيير برامج رائدة في ميدان الضمان الاجتماعي بما أدى إلى تحسين الخدمات في جل القطاعات مما أنجرّ عنه تطور في نسبة التغطية الاجتماعية على جل الأصناف المهنية من أجراء حرفيين وأصحاب مهن حرة. وقد تجسدت الإصلاحات في تطوير وتسهيل عمليات إسناد القروض للمنخرطين في الصناديق الاجتماعية ورعاية الصناديق للمرأة والطفولة والمسنين والعائلات محدودة الدخل وتوسيع مجالات التغطية في المنح العائلية ومراجعة نظام جبر حوادث الشغل ونظام الأمراض المهنية في القطاعين العمومي والخاص.
أما في قطاع الصحة فقد حرصت مختلف مخططات التنمية على تحقيق التوازن في التغطية الصحية بين كل الفئات والجهات وفي تدعيم الصحة الأساسية والطب الوقائي، فضلا عن بعث برامج ومشاريع تهدف إلى تحسين التغطية الصحية وتقريب الخدمات من المواطن عن طريق تعزيز البنية الصحية والاستشفائية وتنمية الموارد البشرية في القطاع.
وتهدف التغطية الاجتماعية في المخطط الجديد إلى التوسيع لتشمل ما لا يقل عن 97% من السكان المشغلين وذلك عبر تبسيط إجراءات الانخراط في الأنظمة وتكثيف حملات التحسيس والتعريف بأهمية الانخراط في أنظمة الضمان الاجتماعي وتقريب خدماتها من الفئات المستهدفة فضلا عن العمل على تحسين التغطية الصحية للمواطن.
خـاتمة
إن رهان مشروع التغير في تونس يتمثل في تحقيق التلازم بين البعدين الاقتصادي والاجتماعي في مجال التنمية وإيجاد المعادلة المرجوة بين مقتصيات الجدوى الاقتصادية ومتطلبات الرفاهة الاجتماعية التي يجسدها السعي إلى تحقيق جودة الحياة لكل مواطن تونسي وتأكيدا لمبدأ العدالة التنموية في كل الجهات وبين مختلف الفئات،ففي ظل التحديات الخارجية وما تفرضه من ضغوطات وانعكاسات على المنظومة الاقتصادية يستمر مشروع التغيير في تحقيق أهدافه وخاصة في الارتقاء بمستوى وظروف عيش المواطن وهو من أوكد الخيارات الاستراتيجية والأهداف الأساسية لهذا المشروع الطموح والرائد للرئيس زين العابدين بن علي حاضرا ومستقبلا.
لقد أسس المشروع المجتمعي الجديد لتحول السابع من نوفمبر من خلال مختلف الآليات التي اكتفينا بذكر البعض منها لتحولات اجتماعية وحضارية جديدة انعكست على ظروف عيش الفرد والجماعة ولسنا بحاجة هنا إلى التفصيل في بعض الجوانب الأخرى الجديرة بالإبراز في المقاربة التنموية الإنسانية التضامنية مثل الإحاطة بالطفل وإعداده لمجتمع المعرفة والعناية بالشباب وبالتونسيين بالخارج وإرساء حق الرياضة للجميع وحق الثقافة للجميع وغيرها من الآليات والبرامج التي لم تترك قطاعا ولا جهة ولا فئة إلا مستها بدقة وعناية.
كما تشكل الإصلاحات الكبرى لبنات جديدة لتدعيم المكاسب ولترسيخ نسق التحولات الاجتماعية وتشريعها، تحقيقا لرفاه المواطن وصونا لكرامته. إن هذه التوجهات وتلك الإصلاحات المجسدة في الواقع يعبر عنها صانع التغير بقولته الشهيرة “إن الإنسان محور عملنا السياسي والإصلاحي وهدف خططنا التنموية والاجتماعية مرجع قراراتنا ومبادراتنا .إذ لا قيمة للديمقراطية والتعددية وحقوق الإنسان ما بقيت فئة من التونسيين والتونسيات مهمشة محرومة من أدنى ضرورات العيش الكريم ومعزولة عن الدورة الاقتصادية “ إن من أوكد التحديات التي تواجهها التنمية الاجتماعية تطوير قدرات الموارد البشرية في مختلف قطاعات التنمية. وخاصة في مجال الاستثمار في رأس المال البشري عن طريق التعليم والتدريب والمسك بناصية العلوم والتقنيات.
إن روح التضامن في مشروع التغيير منبثقة من تراث عريق وأصالة متينة عرفها المجتمع منذ قرون،وتلك عبقرية القادة: تجذر في التاريخ والتصاق بمشاغل الشعب وتوظيف لذلك الرصيد لبناء المستقبل والانخراط في الحداثة.